أبي طالب المكي
393
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
من راقب الناس مات غمّا * وفاز باللذّة الجسور ونظر أبو محمد سهل إلى رجل من الفقراء فقال له : اعمل كذا وكذا فقال : يا أستاذ لا أقدر على هذا لأجل الناس ، فالتفت إلى أصحابه فقال : لا ينال العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين : عبد يسقط الناس عن عينه فلا يرى في الدار إلَّا هو وخالقه ، وأنّ أحد لا يقدر أن يضره ولا ينفعه ، أو عبد أسقط الناس عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه . وحدثونا عن إمام الأئمة الحسن بن يسار البصري رحمه الله أنّ رجلا قال له : يا أبا سعيد إنّ قوما يحضرون مجلسك ليس بغيتهم الفائدة منك ، ولا الأخذ عنك ، إنما همهم تتبع سقط كلامك وتعنتك في السؤال ليعيبوك بذلك ، فتبسم الحسن ثم قال : هوّن عليك يا ابن أخي فإني حدثت نفسي بسكنى الحنان ، فطمعت وحدثت نفسي بمعانقة الحور الحسان ، فطمعت وحدثت نفسي بمجاورة الرحمن ، فطمعت وما حدثت نفسي قط بالسلامة من الناس ، لأني قد علمت أنّ خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم يسلم منهم ، فكيف أحدث نفسي بالسلامة منهم ، وبمعناه ما روي عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا ربّ احبس عني ألسنة الناس ، فقال الله تبارك وتعالى : يا موسى هذا شيء لم أفعله لنفسي ، فكيف أفعله بك . وفي لفظ آخر : لو خصصت بهذا أحدا لخصصت به نفسي . وقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول : ما من يوم أصبح فيه حيّا وأمسي ولا يرميني فيه الناس بداهية إلَّا عددته نعمة من الله تعالى عليّ وأنشد : وإن امرأ يمسي ويصبح سالما * من الناس إلَّا ما جنا لسعيد وأوحى الله عزّ وجلّ إلى عزير : إن لم تطب نفسا بأن أجعلك علكا في أفواه الماضغين لم أكتبك عندي من المتواضعين . ومثله روينا عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول يا معشر الحواريين ، إن أردتم أن تكونوا إخوانا فوطنوا نفوسكم عند العداوة والبغضاء من الناس . وقد جعل الله تبارك وتعالى في المخالطة للمؤمنين من البركة ، ما لو لم يجيء فيه الأثر إلا هذا ، كان فيه كفاية . وروينا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف بالبيت عدل إلى زمزم ليشرب منها ، فإذا التمر المنقع في الحياض الآدم قد مغثه الناس بأيديهم وهم يتناولون منه يشربون فاستسقى منه فقال : اسقوني فقال العباس : يا رسول الله إنّ هذا النبيذ شراب قد مغث وحيض بالأيدي ، أفلا آتيك أنظف من هذا في جرّ مخمر في البيت فقال : لا اسقوني من هذا الذي يشرب منه الناس ، ألتمس بركة أيدي المسلمين فشرب . وروينا في خبر آخر قيل : يا رسول الله ، الوضوء من جرّ مخمر أحب إليك أو من هذه المطاهر التي يتطهر منها الناس فقال : بل من هذه المطاهر التماس بركة أيدي المسلمين . وروينا في الخبر : إذا التقى